محمد متولي الشعراوي
9305
تفسير الشعراوي
المختلفة ، ليختار منها ما هو أنكَى لخَصْمه ، كما جاء في آية أخرى في شَأْنِ نوح عليه السلام { فأجمعوا أَمْرَكُمْ } [ يونس : 71 ] . وكأن الأمر الذي هو بصدده يتطلب وجهات نظر متعددة : نفعل كذا ، أو نفعل كذا ؟ ثم ينتهي من هذه المشاورة إلى رَأْي يجمع كل الاحتمالات ، بحيث لا يفاجئه شيء بعد أنْ احتاط لكل الوجوه . فالمعنى : اتفِقُوا على الخطة الواضحة التي تُوحِّد آراءكم عند تحقيق الهدف . ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام : { وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الجب } [ يوسف : 15 ] . أي : اتفقوا على هذا الرأي ، وأجمعوا عليه ، بعد أن قال أحدهم { اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضاً } [ يوسف : 9 ] ، فكان الرأي النهائي أنْ يجعلوه في غيابة الجب . فهُمْ على آية حال سلالة نُبوة ، لم يتأصل الشرُّ في طباعهم ؛ لذلك يتضاءل شرُّهم من القتل إلى الإلقاء في متاهات الأرض إلى أهْوَن هذه الأخطار ، أنْ يُلْقوه في الجُبِّ ، وهذه صفة الأخيار ، أما الأشرار الذين تأصل الشر في نفوسهم وتعمّق ، فشرُّهم يتزايد ويتنامى ، فيقول أحدهم : أريد أنْ أقابل فلاناً ، فأبصق في وجهه ، أو أضربه ، أو أُقطّعه ، بل رصاصة تقضي عليه فيُصعِّد ما عنده من الشر . وبعد ذلك يرجُونَ له النجاة ، فيقولون : { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة } [ يوسف : 10 ] . ثم يقول تعالى في شأن فرعون : { ثُمَّ أتى } [ طه : 60 ] أي : أتى الموعد الذي سبق تحديده ، مكاناً وزماناً .